علي الهجويري

81

كشف المحجوب

يستحسنه . وعندما نتعامل مع الأفكار نفسها لا نجد حاجة إلى تفضيل ، ولكن عندما نطلق عليها الأسماء يصبح من الممكن تفضيل اسم على اسم . ولذلك فان بعض الناس يرون أن اسم الفقر أعلى وأسمى ، لأنه مرتبط بالترك والخضوع ، بينما يفضل غيرهم الصفاء ، ويعتبرونه أكرم بالمرء ، إذ أنه قريب من نبذ كل الكدورات ، والفناء عن كل ماله صلة بالدنيا . وقد ابتكروا هذين الاسمين ليعبروا بهما عن فكرة غير ملموسة ، حتى يتحادثوا في هذا الموضوع ويشرحوا وجهة نظرهم شرحا وافيا ؛ أما الصوفيون فلا يختلفون في الرأي ، فيستخدم البعض كلمة الفقر ليعبروا عن نفس الفكرة التي يعبر عنها الآخرون باستخدام كلمة الصفاء . أما أهل العبارة وأرباب اللسان ، الذين يجهلون الحقائق ، فإن الموضوع كله بالنسبة لهم مجرد ألفاظ . وباختصار فإنه من اهتم بالحقيقة ، وتعلق بها قلبه ، لا يهمه إن سموه فقيرا أو صوفيا ، فليس هذان الاسمان إلا تعبيرين مصطنعين ، عن فكرة لا يمكن أن تحدد باسم من الأسماء . وترجع هذه المناقشة إلى أيام أبى الحسن بن سمعون فعندما كان في حالة الكشف الشبيهة بالبقاء كان يضع الفقر فوق الصفاء . وعندما كان أرباب المعاني يسألون : لم فعل هذا ؟ . كان يجيبهم قائلا : إني لست أقل اهتماما بالفناء والخضوع منى بالبقاء والوجود ، لذا فإني أفضل الصفاء على الفقر عندما أكون في مقام قريب من الفناء ، وأفضل الفقر على الصفاء عندما أكون في مقام قريب من البقاء ؛ لأن الفقر اسم البقاء ، والصفاء اسم الفناء ، ففي الحالة الأخيرة أفنى منى الشعور بالبقاء ، وفي الحالة الأولى أفنى عن الشعور بالفناء بحيث تموت طبيعتي عن كل من الفناء والبقاء . فإذا نظرنا إلى هذا القول على أنه عبارة وجدناه ممتازا ، ولكن لا يمكن إفناء الفناء أو البقاء . إذ أن كل ما يقبل الفناء يفنى بنفسه وكل ما يقبل البقاء يبقى بنفسه . والفناء كلمة لا تقبل المغالاة ، فإذا قال شخص : إن الفناء قد فنى ، فإنه